فخر الدين الرازي

227

تفسير الرازي

أما قوله : * ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) * فالفزع الأكبر هو عذاب الكفار ، وهذا بطريق المفهوم يقتضي أنهم يحزنهم الفزع الأصغر ، فإن لم يدل عليه فلا أقل من أن لا يدل على ثبوته ولا على عدمه . الوجه الثاني : في تفسير قوله : * ( أولئك عنها مبعدون ) * أن المراد الذين سبقت لهم منا الحسنى لا يدخلون النار ولا يقربونها البتة ، وعلى هذا القول بطل قول من يقول : إن جميع الناس يردون النار ثم يخرجون إلى الجنة ، لأن هذه الآية مانعة منه وحينئذ يجب التوفيق بينه وبين قوله : * ( وإن منكم إلا واردها ) * ( مريم : 71 ) وقد تقدم . الصفة الثانية : قوله تعالى : * ( لا يسمعون حسيسها ) * والحسيس الصوت الذي يحس ، وفيه سؤالان : الأول : أي وجه في أن لا يسمعوا حسيسها من البشارة ولو سمعوه لم يتغير حالهم . قلنا : المراد تأكيد بعدهم عنها لأن من لم يدخلها وقرب منها قد يسمع حسيسها . السؤال الثاني : أليس أن أهل الجنة يرون أهل النار فكيف لا يسمعون حسيس النار ؟ الجواب : إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال . الصفة الثالثة : قوله : * ( وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ) * والشهوة طلب النفس للذة يعني نعيمها مؤبد ، قال العارفون : للنفوس شهوة وللقلوب شهوة وللأرواح شهوة ، وقال الجنيد : سبقت العناية في البداية ، فظهرت الولاية في النهاية . الصفة الرابعة : قوله : * ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) * وفيه وجوه : أحدها : أنها النفخة الأخيرة لقوله تعالى : * ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ) * ( النمل : 87 ) . وثانيها : أنه الموت قالوا : إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بعث الله تعالى جبريل عليه السلام ومعه الموت في صورة كبش أملح فيقول لأهل الدارين أتعرفون هذا فيقولون : لا فيقول هذا الموت ثم يذبحه ثم ينادي يا أهل الجنة خلود ولا موت أبداً ، وكذلك لأهل النار ، واحتج هذا القائل بأن قوله : * ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) * إنما ذكر بعد قوله : * ( وهم فيها خالدون ) * ( البقرة : 25 ) فلا بد وأن يكون لأحدهما تعلق بالآخر ، والفزع الأكبر الذي هو ينافي الخلود هو الموت . وثالثها : قال سعيد بن جبير هو إطباق النار على أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة ، قال القاضي عبد الجبار : الأولى في ذلك إنه الفزع من النار عند مشاهدتها لأنه لا فزع أكبر من ذلك ، فإذا بين تعالى أن ذلك لا يحزنهم فقد صح أن المؤمن آمن من أهوال يوم القيامة ، وهذا ضعيف لأن عذاب النار على مراتب فعذاب الكفار أشد من عذاب الفساق ، وإذا كانت مراتب التعذيب بالنار متفاوتة كانت مراتب الفزع منها متفاوتة ، فلا يلزم من نفي الفزع الأكبر نفي الفزع من النار . الصفة الخامسة : قوله : * ( وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) * قال الضحاك : هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم وأقوالهم ويقولون لهم مبشرين : * ( هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) * . قوله تعالى * ( يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا